عباس حسن

408

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

د - إذا كان أفعل التفضيل المجرد « 1 » واجب الإفراد والتذكير فما بال العرب تقول : مرّ بنا سرب من الظباء ، بعده أسراب أخر ؛ فيأتون بكلمة : « أخر » مجموعة ومؤنثة ؛ ( إذ هي جمع ، مفرده : « أخرى » ، « وأخرى » مؤنث لكلمة « آخر » الذي أصله « أأخر » على وزن : « أفعل » المذكر الدالّ على التفضيل ؛ فهو من القسم المجرد ) . فلم كانت « أخر » مجموعة ومؤنثة في المثال السالف - وأشباهه - مع أن القاعدة تقتضى الإفراد والتذكير ، وأن يقال : أسراب « آخر » ( التي أصلها : « أأخر » كما أسلفنا ) « 2 » . أجاب النحاة : إن كلمة : « أخر » ليست مما نحن فيه ؛ لأسباب ثلاثة مجتمعة : أولها : أنها في استعمالاتها الصحيحة المختلفة - ومنها المثال السالف وأشباهه - لا تدل على التفضيل ؛ ( أي : لا تدل على المشاركة والزيادة ) وإنما تدل على المغايرة المحضة ، والمخالفة المجردة من كل معنى زائد عليها ، فالكلام الذي تكون فيه يقتضى معنى المغايرة وحدها ، لا معنى المفاضلة ، أو نحوها . وهذا شأنها في الاستعمالات الواردة ، فمعنى سرب آخر وأسراب أخر هو : سرب مغاير ، وأسراب مغايرات ، بدون تفضيل فيهما . وثانيها : أنها - في كلام العرب - لا يقع بعدها : « من » الجارة للمفضول ، لا لفظا ولا تقديرا . وثالثها : أنها - في كلامهم الفصيح تطابق وهي نكرة « 3 »

--> ( 1 ) سبق الكلام عليه ، في ص 401 . ( 2 ) أي : أن الأصل أن يقال مثلا : هذا ظبي آخر ( وأصلها : أأخر ) وهذه ظبية آخر ( أأخر ) لكنهم تركوا الأصل ، وقالوا : ظبية أخرى ؛ فأتوا بكلمة : « أخرى » التي هي المفردة المؤنثة لكلمة : آخر . والأصل أيضا أن يقال : هذان ظبيان آخر ( وأصلها : أأخر ، وهاتان ظبيتان آخر ) ولكنهم تركوا الأصل ، وقالوا : آخران ، في تثنية المذكر ، وأخريان في تثنية المؤنث . وكذلك الأصل أن يقال : هؤلاء ظباء آخر ( أأخر ) وهؤلاء ظبيات آخر ( أأخر ) . لكنهم تركوا الأصل أيضا ، وقالوا : أخر ، التي هي جمع مؤنث ، مفرده : أخرى . ( 3 ) أي : أنها لو كانت للتفضيل وهي نكرة ، لوجب عدم مطابقتها ؛ كي تساير المسموع الكثير .